السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

بأن القرابة تمثل امتيازا يميّز أباه عن غيره ، ولذا أعلن البراءة منه بعد أن يئس من إيمانه ، وظهرت عداوته له . وإننا في هذا المجال ، نستطيع الاستفادة من هذا الأسلوب في المواقف التي نحتاج فيها إلى دعوة الأشخاص الذين تربطنا فيهم بعض الروابط العاطفية من نسب أو غيره ، لنتعلم من إبراهيم عليه السّلام ، كيف نشحن الحوار بالمشاعر التي تسهل المهمة ، بما تثيره لديهم من مشاعر تسهل انسجامهم مع الأجواء الحميمة للحوار دون أن يخلق ذلك انجرافا مع العاطفة لمصلحة الكفر والضلال ، لأن الأسلوب العاطفي في هذه الحال لا ينبع من حالة نفسية عفوية ، بل يرتكز على تخطيط يعتبر العاطفة جزءا من الخطة العامة تخضع لما تخضع له تلك الخطة من مرونة ووعى وثبات . وعلى ضوء هذا نجد أن من واجبنا إعطاء الأسلوب بعض القوة في حالات أخرى ، إذا ما عمل من ندعوهم على استغلال أسلوبنا العاطفي لأغراض في غير صالح الدعوة إلى اللّه ، تماما كما كان عليه الأسلوب الآخر لإبراهيم ، في ما أشرنا إليه ، ليظل الأسلوب ، في كلتا الحالتين ، منسجما مع خط الحكمة الذي يريد اللّه للدعوة في سبيله أن تسير عليه . وقد نشعر ، في نهاية هذا العرض ، بالحاجة إلى الاستفادة من الأجواء الروحية في بعض حالات الحوار ، بين أسلوب يربط المتحاورين بفضل اللّه ونعمه ، وبين أسلوب ينقل الموقف إلى ابتهال خاشع يمارسه الداعية للتأثير النفسي على الآخرين عندما يشغلهم عمّا هم عليه ، بروعة المناجاة ، وخشوع الابتهال . هذه بعض الأفكار العامة حول هذه الآيات ، ولا بد لنا من الدخول في التفاصيل التفسيرية لمفرداتها .